الخميس، 3 نوفمبر 2016

أوزبكستان ماذا بعد الاستقلال ؟


طشقند: 3/11/2016 أعدها للنشر أ.د. محمد البخاري. تحت عنوان "أوزبكستان .. ماذا بعد الاستقلال ؟" نشر الموقع الإلكتروني لجريدة "النهار" المصرية يوم 3/11/2016 مقالة كتبتها: هدى المصري. وجاء فيها:


في 4 ديسمبر المقبل تختار جمهورية أوزبكستان الإسلامية خليفة للرئيس الراحل "إسلام كريموف"، الذي وافته المنية مطلع شهر سبتمبر الماضى. 
وبحسب الدستور الأوزبكي، يتحتم على المرشح لرئاسة الجمهورية، أن يكون أقام أخر 10 سنوات في البلاد بشكل متواصل، وأن يعرف اللغة الأوزبكية بدرجة جيدة.
وتعد الأنتخابات الرئاسية والتى ستجرى قريباً فى أوزبكستان هى أول انتخابات رئاسية لاختيار الرئيس الذي سيكمل ما أسس له الراحل إسلام كريموف، أول رئيس لأوزبكستان منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي في عام 1991
هذا و قد أستهدفت جمهورية أوزبكستان منذ الأيام الأولى للاستقلال عن الأتحاد السوفيتى بناء دولة القانون القوية، والمجتمع المدنى العادل، الذى يمثل المواطن عنصره الهام، مع حقوقه ومصالحه. 
لذلك تمكنت الجمهورية الاسلامية الوليدة خلال خمس وعشرين عاما  فقط من تحقيق التنمية المستقلة، بالعمل الهائل الذى تم إنجازه فى تحقيق الإصلاحات الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية، والذى مهد السبيل نحو تحقيق الانجازات والنجاحات الطموحة الواسعة فى كافة مجالات الحياة، للدولة والمجتمع.
وبحسب اراء الخبراء فان أوزبكستان تنتهج عملية تحرير النظام القانونى والاقتصاد، ودمقرطة وتحديث الدولة، ويتواصل تنفيذ هذه العمليات داخل الدولة  مرحليا وبصورة مترابطة، أخذا فى الاعتبار بالخصائص القومية وبالتجارب الدولية الرائدة.
وقد نجحت أوزبكستان عبر سنوات التنمية المستقلة، فى تحقيق عدد من الإصلاحات، التى تصب نحو تحسين النظام القضائى الحقوقى، وتحويله إلى الضمانة الرئيسة للحماية الفعالة للمواطن، وتحقيق الاستقلال الحقيقى للسلطة القضائية.
ففى القانون الأول "حول القضاء" الصادر فى الثانى من سبتمبر لعام 1993، تم النص على تلك المبادئ العامة المعترف بها عالميا، مثل قرينة البراءة، والحق فى الدفاع، والمنافسة والشفافية فى المحاكمة، وغيرها من المبادئ الأخرى، التى جرى تطويرها لاحقا، والمتمثلة فى الاجراءات الجنائية الجديدة، وقانون الاجراءات المدنية، وغيرها من المواثيق التشريعية للجمهورية. وفى تلك المرحلة من الاصلاحات، تم وضع الأسس التشريعية لاجراءات المحاكمة، وللاستقلال الفعلى للنظام القضائى الحر.
وفى الثلاثين من أغسطس لعام 1995، مع الأخذ فى الاعتبار بالتجارب العالمية، تم تأسيس المحكمة الدستورية فى البلاد، تلك المحكمة التى تضمن توافق تشريعات السلطتين التشريعية والتنفيذية مع القانون الرئيسى للبلاد. وفى سياق التطوير المستمر لذلك المجال، جرى إقامة منظومة المحاكم الاقتصادية، والتى فى ظل ظروف الانتقال إلى اقتصاد السوق، صارت تمثل عاملا هاما لضمان سيادة القانون فى العلاقات الاقتصادية، وكذلك المحاكم ذات الاختصاصات العامة، كما جرى التوسع فى القاعدة التشريعية للنظام القضائى- الحقوقى.
وتمثلت الخطوة الهامة فى تحرير النظام القضائى، فى إقرار الصياغة الجديدة للقانون "حول المحاكم"، الصادر فى الرابع عشر من ديسمبر لعام 2000، والذى طُبقت فيه التجربة المتراكمة عبر سنوات الاستقلال حول إصلاح النظام القضائى- الحقوقى. وطبقا لتلك التشريعات، فقد جرى خلق الآليات اللازمة لتحقيق المبدأ الدستورى فى الفصل بين السلطات واستقلال القضاء باعتباره فرعا مستقلا كاملا من فروع السلطة، وإخراج النظام القضائى تماما من الرقابة والتأثير للأجهزة التنفيذية. وبالإضافة إلى هذا، فقد تم ترسيخ وضع المحاكم المتخصصة فى القضايا الجنائية والمدنية والاقتصادية، وكذلك تطبيق اجراءات الاستئناف فى القضايا المنظورة، واجراء الإصلاحات فى محاكم النقض. وقد أظهر التطبيق الفعلى فى الحياة صحة ذلك القرار، حيث أن المحاكم  المتخصصة قد ضمنت النهوض بكفاءة النظر فى القضايا وتعزيز ضمانات حقوق وحريات المواطنين. كما يشمل القانون المذكور أيضا مسألة اختيار الكوادر القضائية وأوضاعهم.
وبهدف تعزيز استقلال السلطة القضائية، والأسس الديمقراطية لتشكيل الكوادر الاحتياطية، وشفافية الاختيار وتوصيات الترشح لمناصب القضاة، وضمان الاستقرار والفاعلية لعمل الهيكل القضائى، تم فى البلاد تشكيل اللجنة العليا المؤهلة للاختيار والترشيح لمناصب القضاة، التابعة لرئيس جمهورية أوزبكستان، ووضع الآلية البديلة لحل النزاعات باعتبارها الدائرة القضائية للتحكيم.
بالإضافة إلى هذا، فقد تم تحديد الحد الأدنى لعمر المُشرع، وذلك للأفراد المُعينين لأول مرة فى منصب القضاة فى محاكم المناطق الواقعة بين الأقاليم، والأقاليم (المدن)، وتعزيز المتطلبات المؤهلة للإعداد الوظيفى الخاص بهم، والضمانات الحقوقية والاجتماعية الضرورية لاستقلال القضاء، وضمان الوضع الاجتماعى للعاملين فى الأجهزة القضائية.
فضلا عن النظام القضائى، تمضى الاصلاحات العميقة فى منظومة وزارة العدل، ووزارة الداخلية، والنيابة العامة، وفى غيرها من المؤسسات القانونية، التى تضمن تطبيق القانون والنظام الحقوقى فى المجتمع.
طبقا للمواد 43، و44، و116، يضمن دستور جمهورية أوزبكستان، لكل مواطن توفير الحماية القضائية للحقوق والحريات، وحق التظلم فى المحاكم من الأعمال غير المشروعة للأجهزة الحكومية، والمسئولين، والاتحادات العامة، والحق فى الحصول على العون القانونى المهنى فى كل مراحل التحريات والتقاضى. وفى هذا الإطار، فقد صار تعزيز مؤسسة الدفاع، يمثل أحد أولويات التنفيذ المستمر للإصلاحات القضائية- الحقوقية، التى تصب نحو الضمان الشامل للحماية الفعالة لحقوق وحريات الانسان. كما تم تأسيس المؤسسات المدنية والاجتماعية مثل: مفوضية حقوق الانسان، وكذلك المركز القومى لحقوق الانسان، وعدد من المؤسسات الأخرى. كما أن توافر الكوادر المؤهلة القادرة على تقديم العون القانونى بكفاءة فى الدولة، يمثل الضمانة للتعايش المتناغم للمجتمع ككل، ولتنويره القانونى والديمقراطى.
وعبر سنوات الاستقلال، أصبح الاتجاه الأهم فى تطوير الاجراءات الجنائية للتقاضى، يتمثل فى تحرير وأنسنة ودمقرطة التشريعات الجنائية وتشريعات الاجراءات الجنائية.
وهكذا، تم تقليص عدد الجرائم الخطيرة، وأسفر هذا عن تحول حوالى 75% من فئة الجرائم الخطيرة والخطيرة بصورة خاصة إلى فئة الجرائم التى لا تشكل خطرا كبيرا على المجتمع، وإلى فئة الجرائم الأقل خطورة.
واستمرارا للعمل المذكور، ففى 27 من أغسطس لعام 2004، تم التطبيق العملى فى مجال الممارسة القضائية لمبدأ التصالح بصورة فعالة، والذى بمقتضاه لا تقام الدعوى الجنائية على الأشخاص مرتكبى الفعل الجنائى الذى لا يمثل خطورة اجتماعية كبرى، مع دفع التعويض الكامل للأضرار المادية والمعنوية التى لحقت بالضحايا. وقد تجسدت فاعلية هذا المبدأ وتطابقه مع تقاليد الشعب الأوزبكى التى تعود لقرون عديدة، فى القدرة على التسامح والمغفرة، وصارت تمثل القاعدة للتوسع المستمر فى تطبيقه.
كما تجسدت الخطوة الأهم فى تحرير التشريعات الجنائية عبر إلغاء عقوبة الإعدام، وذلك منذ الأول من يناير لعام 2008. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أعلى عقوبة يمكن تطبيقها وهى السجن مدى الحياة، والتى لا تستخدم سوى فى حالتين فقط من أنواع الجرائم، وهما الإرهاب والقتل العمد مع الترصد، صار من الممكن استبدالها بالعقوبات البديلة الأقل حدة. وهذا النوع المذكور من العقوبات لا يجوز تطبيقه فى البلاد على النساء، وعلى مرتكبى الجرائم دون الثامنة عشرة من العمر، والرجال الذين تجاوزا الستين من العمر.
وقد تميزت المرحلة الجديدة فى ضمان الحماية الكاملة المضمونة لحقوق وحريات الانسان فى أوزبكستان، بالمبدأ الذى وضعه قائد دولتنا، والخاص بالتعميق المستمر للإصلاحات الديمقراطية وتشكيل المجتمع المدنى فى البلاد. وتتضمن وثيقة ذلك البرنامج تحديد حزمة من التدابير الخاصة بالتوسع فى مجال استخدام مبدأ "هابياس كوربوس" (Habeas Corpus)، والتطوير المتواصل لآليات ضمان الاستقلالية، والموضوعية والنزاهة للمحاكم، وتعزيز التنافسية فى العملية القضائية، وتحرير التشريع الجنائى، والنهوض بمستوى الثقافة الحقوقية للمواطنين.
فى سياق تنفيذ المهام التى قررها رئيس أوزبكستان، يجرى تطوير المعايير الحقوقية الدولية فى التشريعات القومية وتحسين تطبيقها على أرض الواقع. كما ساهم فى ذلك الأمر التعاون الدولى مع برنامج التنمية التابع لمنظمة الأمم المتحدة، ومع منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، وغيرهما من المنظمات الدولية الأخرى. كما يتطور بصورة حيوية الحوار القائم مع الاتحاد الأوروبى، وتم تنفيذ عدد من المشروعات المشتركة فى دعم التحولات فى المجال القضائى- الحقوقى.
وقد ارتهن تحقيق الاصلاحات فى المجال المذكور، بالتنمية الاجتماعية- الاقتصادية لأوزبكستان المستقلة، وبالخطوات الملموسة التى تم قطعها فى طريق الملكية الخاصة والاستثمار الخاص فى البلاد. كما أن المرسوم الصادر عن رئيس جمهورية أوزبكستان فى الخامس عشر من مايو لعام 2015، "حول التدابير الخاصة بتوفير الحماية المضمونة للملكية الخاصة والبيزنس الصغير والاستثمارات الخاصة، وإزالة الحواجز المعوقة لتطورها السريع"، يصب نحو النهوض بالمسئولية بما فيها الجنائية، والتى يتحملها المسئولون فى الدولة، والأجهزة القانونية والرقابية، فى إعاقة الأنشطة الاستثمارية والتدخل غير المشروع فى أعمالها، وانتهاك حقوق الملاك فى القطاع الخاص.
ويمثل القانون فى شموله إصلاحا للتشريع الجنائى فى الجمهورية نحو تحريره، وذلك من خلال تطبيقه لعدد من المعايير الحقوقية الدولية. وعلى وجه الخصوص جرى الأخذ فى الاعتبار بمعايير اتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد. فتم ترسيم قانون المسؤولية عن جرائم الفساد فى القطاعين الخاص والحكومى.
كما يمثل انجازا هاما ضمن التحولات الديمقراطية، تطبيق القانون الهام للنظام القضائى- الحقوقى لجمهورية أوزبكستان "حول الرقابة البرلمانية"، الصادر فى الحادى عشر من أبريل لعام 2016. وفى السياق نفسه، فإن الرقابة البرلمانية تشمل مجال عمل الأجهزة النيابية، مما يساهم بالنهوض بفاعلية عملها فى ضمان سيادة القانون وتطبيقه فى البلاد، وفى حماية حقوق وحريات المواطنين، ومصالح المجتمع والدولة.
على هذا النحو، فإن الاصلاحات القضائية- الحقوقية فى أوزبكستان، قد عززت القاعدة الخاصة بالدولة المستقلة الشابة، التى تمضى فى طريق التطور نحو الديمقراطية، باعتبارها عضوا كامل الحقوق فى المجتمع الدولى. وقد صارت نتائج تلك الاصلاحات تمثل ضمانة من ضمانات السلم والاستقرار والتقدم والازدهار، والأهم من ذلك ضمانة- لرفاهة وسعادة كل مواطن من مواطنى جمهورية أوزبكستان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق