الخميس، 11 سبتمبر 2014

كتب سعادة السفير المفوض فوق العادة لفلسطين لدى جمهورية أوزبكستان وجمهوريـــات آســـيا الوســــــطى تقديم لكتاب السفير يولاف سوسنبايف "العلاقات القازاقستانية العربية والقازاقستانية الفلسطينية"، أنشره للمهتمين بتطور العلاقات العربية مع دول آسيا المركزية

كتب سعادة السفير المفوض فوق العادة لفلسطين لدى جمهورية أوزبكستان وجمهوريـــات آســـيا الوســــــطى تقديم لكتاب السفير يولاف سوسنبايف "العلاقات القازاقستانية العربية والقازاقستانية الفلسطينية"، أنشره للمهتمين بتطور العلاقات العربية مع دول آسيا المركزية.


د. محمد ترشحاني
في ديسمبر 1992م حضر فخامة الرئيس ياسر عرفات رحمه الله في زيارة إلى صنعاء اليمن حيث مقر قيادته العسكرية، فبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان كان هناك ووفق الاتفاقيات مقران للقيادة، مقر القيادة السياسية في تونس ومقر القيادة العسكرية في صنعاء، وكان الرئيس القائد العام يزور صنعاء بشكل متواصل وعلى الأقل مرتين في العام.
في هذا الوقت كنت أعمل في صنعاء كنائب لمدير عام اللجنة العلمية الفلسطينية ومديراً لفرع اللجنة العلمية في اليمن، وكالمعتاد كذلك كان مسؤولوا الأجهزة يحضرون للسلام على الأخ القائد العام.  فور دخولي على فخامته رحمه الله نظر إلي وسألني هل توافق على أن تصبح سفيراً ؟ فأجبته: إنَّ الأمر لفخامتكم وإني جندي من جنودكم، فكرر سؤاله عليَّ مرتين وكان جوابي هو نفسه، وأخيراً قال لي: أريد أن أرسلك سفيراً إلى قازاقستان فهل راغب أنت في ذلك ؟ فأجبته بالإيجاب.
وهكذا بدأت حكايتي بأن أكون سفيراً لدولة فلسطين لدى جمهورية قازاقستان، والحق يقال هذه الرواية لم تكن البداية.
في نهاية عام 1991م وبداية عام 1992م عُقد في سفارة دولة فلسطين في موسكو اجتماع دعى إليه سفير فلسطين آنذاك لدى الاتحاد السوفياتي ولاحقاً لدى روسيا الاتحادية معالي السيد نبيل عمرو، حضر الاجتماع السفير ونائبه السيد سعيد أبو عمارة وبعض كادر السفارة وعدد من كوادر حركة فتح في إقليم الاتحاد السوفياتي وكنت من بين الحضور حيث كنت مستشاراً في السفارة آنذاك وكوني كنت لفترة طويلة "1975-1990" رئيساً لكونفدرالية الطلبة الفلسطينيين الدارسين في الاتحاد السوفياتي.
الاجتماع كُرِس لوضع خطة تحرك مع الجمهوريات السوفياتية (السابقة) حيث أصبح انهيار الاتحاد السوفياتي حقيقة قائمة، لا أريد أن أدخل في تفاصيل البحث لكن تمَّ التوصل إلى ضرورة بدء العمل على افتتاح سفارات لدولة فلسطين في كل من: 
1)أوكرانيا، 2) روسيا البيضاء، 3) أوزبكستان، 4) قازاقستان، 5) أذربيجان، 6) أرمينيا.
وتمَّ وضع مقترح بالأسماء من وإلى أين لعرضه على القيادة، وكان المقترح بالنسبة لي أن يتم ترشيحي إلى أوزبكستان، وبسبب بعض المعطيات تمَّ تغيير وجهتي إلى قازاقستان التي وصلتها في 23/4/1993م وكان في استقبالي الأخ والصديق العزيز سعادة السفير دانين وكان حينها رئيساً لإدارة آسيا وإفريقيا في وزارة خارجية قازاقستان ، وقدمت أوراق اعتمادي إلى فخامة الرئيس نزارباييف في 4/6/1993م لأكون بذلك أول سفير لدولة فلسطين لدى جمهورية قازاقستان وبقيت في مهامي حتى 17/11/2004م.
لقد أتاحت لي هذه الفترة الطويلة فرصة أن أكون شاهداً على الكثير من التغيرات والانجازات التي حققتها قازاثستان تحت قيادة فخامة الرئيس نزاربايف في فترة زمنية قصيرة نسبياً وأهمها صيرورة قازاقستان كدولة مستقلة ذات سيادة لها موقفها المميز في السياسة العالمية سواء إقليمياً أو دولياً، لقد استطاع الرئيس نزاربايف بحكمته وبعد نظره أن يجعل من قازاقستان الدولة الناشئة مركز استقطاب فيكفي الإشارة إلى أنَّ إعلان تأسيس رابطة الدول المستقلة كان في ألماتا وظهرت إلى النور وأخذت بعدها مبادرة الرئيس نزاربايف حول التفاعل وبناء الثقة في آسيا، تخلصت قازاقستان من الأسلحة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفياتي لتعطي مثالاً رافداً عن منع انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح النووي إلى ذلك ونتيجةً للإستقرار الذي نعمت به قازاقستان وسياساتها الاقتصادية تحولت قازاقستان إلى مركز استقطاب للإستثمارات الأجنبية مما ساعد كثيراً في نموها الإقتصادي.
كنت شاهداً ومنذ البدايات على نقل العاصمة من ألماتا إلى أستانا (تسليناغراد سابقاً والكمولا لاحقاً) هذا المشروع السياسي الإقتصادي الهائل الذي شكك الكثيرون في إمكانية انجازه وهنا ومرة أخرى ظهرت حكمة الرئيس نزاربايف وبعد نظره وها هي مدينة أستانا أحدث عاصمة في العالم تزدهر وتزداد جمالاً كل يوم كعاصمة لجمهورية قازاقستان .
وبالطبع كنت شاهداً على الكثير من اللقاءات الثنائية بين فلسطين وقازاقستان وفي مقدمتها لقاءات القمة بين فخامة الرئيس نزاربايف والرئيس ياسر عرفات رحمه الله، ما ميز هذه اللقاءات الاحترام المتبادل العميق بين القائدين، وكان ياسر عرفات يسمي الرئيس نازاربايف بحكيم آسيا الوسطى.
والرئيس نزاربايف كان بدوره دائم السؤال عن الرئيس ياسر عرفات ويطلب مني في كل مناسبة إبلاغه تحياته وكان دائم الاستفسار عن صحته.
هذه العلاقة يمكن تلخيصها في موقفين:
الأول لدى مغادرتي إلى قازاقستان للمرة الأولى قال لي الرئيس الراحل ياسر عرفات: لا تنسى أنك ستكون سفيراً لدى أخي، نفس الموقف ردده الرئيس نزاربايف في زيارته الأولى إلى فلسطين في ديسمبر 1995م وعند بروز بعض الإشكاليات قال "أنا ذاهب لعند أخي وسأحل معه كافة القضايا".
روح العلاقة بين القادة إنعكست على العلاقة الثنائية ففي حين أصبح الرئيس ياسر عرفات أول رئيس دولة أجنبية يزور قازاقستان كان الرئيس نزاربايف أول رئيس بلد مسلم يزور فلسطين بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية وأول مجموعة طلبة تأتي للدراسة في فلسطين كانت من قازاقستان وأول اتفاقيات تعاون يتم توقيعها في فلسطين كانت بين فلسطين وقازاقستان .
هذه النظرة إلى الرئيس نزاربايف وإلى قازاقستان كانت مشتركة لدى القيادة الفلسطينية، شاءت الصدف أن يكون فخامة الأخ الرئيس محمود عبَّاس هو الشخصية الفلسطينية الرفيعة المرافقة للرئيس نزاربايف وكان من ضمن ملاحظاته التي قالها ونحن في سيارة المراسم لاستقبال الرئيس نزاربايف عند معبر دوغيت: أنت سفير في بلد سيكون له ولرئيسه شأن كبير في السياسة الدولية، وكان الرئيس أبو مازن يتابع نشاطاتنا في السفارة في قازاقستان عن كثب ويساعدنا في حل مختلف المشاكل التي كانت تواجهنا.
ما يجب قوله كشهادة للتاريخ أنَّ سياسة قازاقستان تجاه القضية الفلسطينية وتجاه الشرق الأوسط كانت دوماً تتسم بالتعاطف العميق مع قضية الشعب الفلسطيني والدعم المطلق له في سبيل نيل التحرر من الاحتلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
اعتباراً من شهر أيلول 1996م أصبحت عميداً للسلك الدبلوماسي المعتمد لدى جمهورية قازاقستان، كانت هناك محاولات من بعض الأطراف لتعطيل ذلك لكن موقف وزارة الخارجية القازاقستانية كان حاسماً إلى وجوب احترام قواعد العمل الدبلوماسي بالإضافة بالطبع إلى مواقف سفراء الدول الشقيقة والصديقة، وهذا شاهد آخر على الدعم الذي تقدمه قازاقستان إلى فلسطين وشعبها وقضيتها.
القيادة الفلسطينية استناداً إلى المعطيات الواردة أعلاه كانت تولي قازاقستان أهمية محورية في سياستها في المنطقة وفي مجموعة رابطة الدول المستقلة وليس من قبيل الصدفة أن تكون قازاقستان إحدى محطات الجولة التاريخية للرئيس الراحل ياسر عرفات التي قام بها عام 1999م وكان هدفها التشاور مع القادة المؤثرين في العالم حول ما العمل بعد انقضاء فترة الخمس سنوات الانتقالية التي حددتها اتفاقيات أوسلو، موقف الرئيس نزاربايف كان صريحاً "لا تدعوا السنة الخامسة تمر دون الحصول على اعتراف دولي واضح باستقلالكم" وهذا ما أقدم عليه فخامة الرئيس محمود عبَّاس في توجهه إلى الأمم المتحدة والحصول على اعتراف دولي واضح بدولة فلسطين كدولة غير عضو في هذه المنطقة الدولية.   
يكتسب كتاب السيد سيرسنيايف حول العلاقات القازاقستانية العربية والقازاقستانية الفلسطينية أهمية خاصة فهو أول جهد جدي لتوثيق فترة تاريخية هامة من هذه العلاقات وهي فترة التأسيس أو الصيرورة فمن مراحل جس النبض التعارف ووضع اللبنات الأساسية إلى مراحل التعاون المتقدم والعالي المستوى، ولا شك أنَّ هناك المزيد مما يجب القيام به للوصول بهذه العلاقات إلى آفاق أرحب وأوسع وأشمل.
لا أريد أن أكرر المعلومات القيمة الواردة في الكتاب عن تاريخ العلاقات الثنائية بين فلسطين وأوزبكستان ولا اعادة سرد الوقائع والأحداث والزيارات المتبادلة، ما أريد التنويه إليه هو: على الرغم من قدم العلاقة من تاريخ اعلان استقلال البلدين فلسطين في 15/11/1988م وأوزبكستان في 30/9/1991م فحتى الآن لا يوجد تبادل يذكر اقتصادي أو ثقافي هناك امكانات كبيرة للتعاون في كافة المجالات وخاصة الاقتصادية يمكنها في حال تطورت أن تعود بالمنفعة على كلا الطرفين .
لذلك أرى العمل في اتجاهين:
1. وضع الأساس القانوني للتعاون على شكل اتفاقيات بين البلدين تشمل التعاون الثقافي الاقتصادي التعليمي القانوني القضائي السياحي والرياضي.
استناداً إلى هذا يتم تشجيع المؤسسات الوطنية في كلا البلدين للتواصل مع نظيراتها في البلد الآخر للعمل على سبر امكانيات التعاون ووضع بروتوكولات تنفيذية لها.
2. في هذه الأثناء العمل على عقد ندوات وورشات عمل، تبادل الوفود (قطاع عام وقطاع خاص) للتعارف والأطلاع على الامكانيات لدى كل طرف.
لا زلت أدرك بأننا كعرب وقازاق وباقي جمهوريات آسيا الوسطى لا نعرف بعضنا البعض جيداً ولا نعرف امكانيات بعضنا وهذه فجوة يجب العمل على ردمها.
هذه المقترحات الموجزة تحتاج إلى برنامج تفصيلي وعمل دؤوب لوزارتي الخارجية في كلا البلدين وللوزارات الأخرى المعنية الاقتصاد وعلاقات اقتصادية خارجية ودوائر تشجيع الاستثمار ووزارات الثقافة والرياضة والتربية وغرف التجارة والصناعة.
ويمكن لهذا أن ينطبق على معظم الدول العربية الأخرى.
أتاحت فترة عملي في قازاقستان التعرف عن قرب إلى الشعب القازاقي العريق على ثقافته وعادته على كرمه وحبه للضيف وانفتاحه، كانت لي علاقات صداقة حقيقية مع الكثيرين من الأشخاص سواء في مجال عملي أو علاقات اجتماعية أسرية وهذا ما هو موضع فخر لي إلى جانب فخري الكبير بوسام الصداقة الذي منحني اياه الرئيس نزارباييف لدى انتهاء عملي في قازاقستان والذي اعتز بارتدائه في المناسبات الرسمية.
أغتنم هذه الفرصة لأحيي سعادة السفير يولاف سوسنبايف على جهوده في توطيد العلاقات الثنائية بين فلسطين وقازاقستان والتي أكتسبت بعداً جديدا منذ توليه منصبه كسفير مفوض فوق العادة غير مقيم لجمهورية قازاقستان لدى دولة فلسطين، فهو حريص على احياء كافة المناسبات كما في عمان كذلك في رام الله ليس فقط الأعياد الوطنية لبلده لقد كان لافتاً ومميزاً إقامة احتفال بمناسبة مرور 20 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا فله مني كل التحيات والتقدير متمنياً له دوام النجاح في مهامه وخاصة في مهمته الجديدة كسفير لقازاقستان لدى الهند وأن يواصل عمله ومن هناك في هذا الاتجاه. 
         

د. محمد ترشحاني
سفير دولة فلسطين لدى جمهورية أوزبكستان
وجمهوريـــات آســـيا الوســــــطى



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق