السبت، 4 أبريل 2015

الخوارزمي ... عميد الرياضيين، أبدع علم الجبر وأهدى العالم الأرقام الحديثة


تحت عنوان " الخوارزمي ... عميد الرياضيين، أبدع علم الجبر وأهدى العالم الأرقام الحديثة" نشرت صحيفة الخليج يوم 4/4/2015 مقالة أعدها: محمد إسماعيل زاهر، أشار فيها إلى:


لنتخيل الأرقام من دون الصفر، كيف كانت ستُكتب؟، ولنتخيل مرة ثانية أننا ما زلنا نكتبها بالطريقة الرومانية، فالرقم 12 الذي نضعه وفق السياق بسهولة ويسر كتبه الرومان هكذا XII وإذا أضفنا إليه المئة سنجدهم كتبوه هكذاCXII ، أما الرقم 1112 فكان يكتب MCXII، ولنا أن نتصور التعقيد الذي كنا سنعانيه ونحن نستخدم هذه الأرقام في عمليات حسابية معقدة، وكل هذا بخلاف غياب الصفر، الذي بإضافته إلى نظام الترقيم تم فتح آفاق لا نهاية لها في الحساب والرياضيات ومن ثم التجارة والمعاملات الاقتصادية. إن الصفر ونظام الترقيم الحديث إضافة فارقة وملهمة قدمها العرب إلى العالم في فترة مبكرة، ففي عام 164 هجرية، 778 ميلادية، ولد محمد بن موسى الخوارزمي، ذلك الذي أهدى العالم فضلاً عن ذلك أُسس علم "الجبر" و"الخوارزميات" أو "اللوغريتمات"، إضافة إلى اسهامات عدة في الجغرافيا والفلك . . الخ .إن الإبداع في الرياضيات القديمة لابد أن يتم تناوله من منظور جديد في الدراسات العربية الحديثة، فهناك مدرسة التاريخ الجديد التي باتت تنظر إلى الأمور بروح مختلفة، ففي عمله المهم الشرق في الغرب يذهب المؤرخ المعروف جاك غودي إلى نقض فرضية صعود الغرب الحضاري نتيجة لأخلاقيات سمحت بازدهار الاقتصاد وكل ما يحيط به من فرضيات تقتصر بالنظرة العلمية والعقلية المنطقية وحتى تطور المعاملات التجارية على الغرب فقط، يرفض غودي هذه النظرة الغربية ويؤكد بالرصد والتحليل في مئات الصفحات أن هذه القيم نفسها توافرت وبقوة في الحضارات الشرقية القديمة .
الروايات عن قصة حياة الخوارزمي شحيحة ولكنها تعود بأصله إلى مدينة "خيوا" في أوزبكستان الحالية، هاجرت أسرته إلى بغداد لأسباب غير واضحة، درس اللغة العربية والقرآن الكريم في طفولته، ويحكي بعضهم رواية عن حلم رآه الخوارزمي في صغره مؤاده أنه يقف بين بعض العلماء ليصل بين خطوط وأرقام يعجزون عن توصيلها، وعندما قص ما شاهده في المنام على شيخه نصحه بالرحيل إلى بغداد لدراسة الرياضيات، ولكن الطبري في تاريخه يطلق عليه "القطربلي" نسبة إلى قطربل من ضواحي بغداد.
المؤكد أن الخوارزمي اتصل بالخليفة العباسي المأمون الذي عينه لترتيب وتنظيم مكتبة القصر، وهناك عثر على كتاب قديم ومهمل "السند هند" الذي يبحث في علوم الفلك والكواكب ومساراتها، فقام بترجمته واختصره في كتاب "السند هند الصغير"، وبعد ذلك ترأس دار الحكمة الشهيرة، وعهد إليه بجمع الكتب اليونانية وإنشاء لجنة للترجمة من اللغات المختلفة، فتحولت الدار بمجهوداته إلى قبلة للعلماء وأتاحت له هذه المهمة القراءة في التاريخ والجغرافيا والفلك وهي علوم أبدع فيها، كما عهد إليه المأمون برسم خريطة للأرض اشترك فيها 70 جغرافياً، وكلها معلومات تؤكد لنا أهمية العلوم في الحضارة العربية الإسلامية وتأملها يحتاج إلى من يبحث في تاريخ علمي مسكوت عنه، فالبرغم من أن ابن خلدون يصف الخوارزمي بأنه أول من كتب في علم الجبر، فلا يمكن أن تتأسس هذه الكتابة على فراغ، ولا يمكن أن يتوافر 70 جغرافياً في مدينة واحدة وربما في مجمع دار الحكمة فقط من دون أن تكون هناك حركة علمية قوية ونشطة تتطلب البحث والتحقيق، وهناك درس آخر يتمثل في أهمية الترجمة عن الثقافات الأخرى، الترجمة التي يعقبها الإبداع الذاتي والإسهام بفعالية في العالم من حولنا، الترجمة العلمية بعيداً عن ترجمة إبراء الذمة أو جدل لم نصل من ورائه إلى شيء وتعلق بالمراوحة بين ترجمة العلوم أم تعريبها .
عبقرية خالدة
يقول العالم الكبير مصطفى مشرفة: "لم يكن هناك قبل الخوارزمي من علم يسمى (الجبر)، إذن فعبقرية الخوارزمي قد تجلت في خلق علم من معلومات مشتتة وغير متماسكة"، أما المستشرقة الشهيرة زيغريد هونكه فقالت عنه: "كتب للخوارزمي الخلود بتأليفين مهمين في الرياضيات، حمل الأول حساب الجبر والمقابلة، ويضم مجموعة ممتعة من المشاكل الرياضية التي يعنينا أمرها في الحياة العملية، والكتاب الثاني كتاباً تعليمياً صغير الحجم في علم الحساب"، وهو المعنى نفسه الذي ذهبت إليه دائرة المعارف البريطانية في التعريف بالخوارزمي: "رياضي وفلكي ألف عملين جوهريين: أحدهما في الجبر والآخر في الأرقام الهندية العربية، كانا واسطة في تعريف الرياضيات الأوروبية بهذين الموضوعين".
لم تكن طرائق كتابة الأرقام والعمليات الحسابية العربية تختلف آنذاك عن نظيرتها الرومانية، حيث لكل رقم نكتبه بسهولة الآن ما يقابله من حروف كتب بها في ذلك الزمن، ويروى أن المامون دخل ذات يوم على الخوارزمي في دار الحكمة فوجده حائراً، وعندما سأله عن السبب، أخبره الخوارزمي أن أساليب كتابة الأرقام معقدة وليست عملية، واستمر الخوارزمي يبحث عن تبسيطها حتى عهد الخليفة التالي المعتصم الذي هزم في إحدى المعارك أعيان من قبيلة هندية وطلب الخوارزمي من الخليفة أن يعلموه أساليب الهند في العمليات الحسابية نظير إطلاق سراحهم، وهو ما تم بالفعل،
ثورة في الرياضيات
يعد كتاب "المختصر في حساب الجبر والمقابلة" العمل الرئيس للخوارزمي، ومصطلح الجبر الذي انتشر في العالم كله بعد ذلك مشتق من إحدى العمليات الأساسية التي ترافقت مع المعادلات الرياضية الكثيرة في هذا الكتاب الذي ترجم إلى اللاتينية بالاسم العربي نفسه في القرن الثاني عشر الميلادي، وتوجد نسخة عربية فريدة محفوظة في أكسفورد ترجمت إلى الإنجليزية في عام 1831، وتوجد أيضاً نسخة لاتينية في جامعة كامبريدج، قدم الخوارزمي في الكتاب بياناً شاملاً لحل المعادلات متعددة الحدود حتى الدرجة الثانية، وفي الكتاب أحاديث مطولة عن الجذور والترابيع والمعادلات الخطية، وعلى خطى الخوارزمي سار العديد من العلماء العرب الذين ألفوا في الرياضيات تحت اسم الكتاب نفسه "الجبر والمقابلة"، مثل الدينوري والطوسي وسهل بن بشر وعبد الحميد بن ترك . . الخ، قبل أن ينتقل التأثير إلى أوروبا.
ونتيجة لتأثير جبر الخوارزمي كتب موقع "ماكتوتر" المتخصص في تاريخ الرياضيات: "ربما كانت أحد أهم التطورات التي قامت بها الرياضيات العربية بدأت بعمل الخوارزمي في الجبر، فقد كانت خطواته ثورية بعيداً عن المفهوم اليوناني الذي يعتمد في جوهره في فهم الرياضيات على الهندسة، لقد كان جبر الخوارزمي نظرية موحدة وشاملة تتعامل مع الأعداد الكسرية واللاكسرية، ومنحت الرياضيات مساراً جديداً للتطور بمفهوم أوسع بكثير من الذي كان موجوداً من قبل، وسمح بتطبيق الرياضيات في الحياة العملية بطريقة لافتة ومميزة"، وهنا أيضاً نلاحظ تمايز العلوم العربية الإسلامية، فقدماء اليونان أدى بهم النظر المجرد إلى الافتتان بالهندسة التي كان الاهتمام بها مدخلاً لفهم تناغم الكون وفق الرؤى الفلسفية المجردة، بعكس المفهوم الإسلامي أو نظرية الاستخلاف وعمارة الأرض التي تعتمد في الأساس على التجربة والتوجه إلى كل ما يفيد البشر في حياتهم الواقعية .
في الحساب أحدث الخوارزمي ثورة مماثلة وله كتاب آخر مفقود في هذا العلم، ويرجح أن يكون الكتاب الذي ترجم في أوروبا في عام 1126 تحت عنوان "كتاب الجمع والطرح وفق النظام الهندي" للخوارزمي، حيث تبدأ الكثير من المؤلفات اللاتينية الصادرة في القرن الثاني عشر الميلادي واعتمدت على هذا الكتاب وتتناول الحساب بمقولة "هكذا قال الخوارزمي" ثم يسترسل المؤلف في شروحاته، وتمثل إسهام الخوارزمي الرئيسي في الحساب في إدخال الأرقام العربية المطورة من الهندية إلى العالم، وتعود كلمتي Algorismi وAlgortmi  إلى ترجمة مصطلح "الخوارزمية".
إسهامات أخرى لافتة
لم تقتصر حياة الخوارزمي التي امتدت حتى عام 235 هجرية، 850 ميلادية، على الاهتمام بالرياضيات وحسب، وانما أبدع عالمنا أيضاً في التاريخ والجغرافيا والفلك، حتى إن البعض اعتبره مؤسس علم الجغرافيا، ففي كتابه "صورة الأرض" قائمة بـ 2402 اسم لمدن وأماكن وتضاريس في العالم، حاول الخوارزمي في الكتاب تطوير آراء العالم اليوناني الشهير بطليموس، ولا توجد من الكتاب أي نسخة سوى واحدة محفوظة في جامعة ستراسبورغ، والترجمة اللاتينية موجودة في المكتبة الوطنية الإسبانية في مدريد، ويتضمن الكتاب قوائم وجداول تحدد خطوط الطول والعرض وترصد مواقع الجبال والأنهار، وصحح الخوارزمي في مؤلفه تقدير بطليموس لموقع البحر الأبيض المتوسط في العالم، وواصل معظم الجغرافيين المسلمين في العصور الوسطى استخدام خط الطول الرئيسي للخوارزمي الخاص بهذا البحر، ولم يقتصر الهدف من الكتاب على الجغرافيا بقدر ما كان الخوارزمي يطمح إلى رسم خريطة يمكن الاستفادة منها في تحديد مناطق الطقس في العالم، بما يثمر في تحديد أدق لأوقات الإبحار والأماكن المثلى لزراعة كل محصول . .الخ .
أما كتاب "زيج السند هند" وهو عمل يتألف من 37 فصلاً ويتناول التقاويم والحسابات الفلكية، فضمنه الخوارزمي 116 جدولاً ترصد حركات الشمس والقمر وخمسة كواكب معروفة في ذلك الوقت، والكتاب الذي ألفه الخوارزمي في عام 820 ميلادية فُقدت نسخته الأصلية، وعندما تحدث الفلكي الأندلسي المسلم المجريطي عن آراء الخوارزمي في الفلك اعتمد على ترجمة إدوارد أوف باث للكتاب إلى اللاتينية التي أتمها هذا الأخير في عام 1126 ميلادية، وبقى منها أربع نسخ مخطوطة في المكتبة العامة في شارتر، وفي مكتبة مازارين في باريس ومكتبة ناسيونال في مدريد ومكتبة بودليايان في أوكسفورد .
وأدخل الخوارزمي إضافات عدة على علم الفلك الهندي والإغريقي، وبنى مزولة عالمية لتحديد أوقات الصلاة، واخترع آلة "مربع الظل" في بغداد لتحديد الارتفاع الخطي للأجسام، واخترع أداة "الربع المجيب" التي كانت تستخدم في الحسابات الفلكية، وأداة "الربع الحراري" لتحديد دوائر العرض، التي عرفت باسم "الربعية القديمة" في أوروبا القرن الثالث عشر واعتبرت ثاني أكثر آداة فلكية تستخدم على نطاق واسع في القرون الوسطى بعد الأسطرلاب .
وهناك العديد من المخطوطات التي يرجح أنها تعود إلى الخوارزمي في الكثير من مكتبات ومتاحف العالم، في برلين واسطنبول وطشقند وباريس، منها مخطوطة عن التوقيت وأخرى عن علم الفلك وثالثة عن تحديد اتجاه مكة المكرمة. وهو الأمر الذي يثير قضية المخطوطات العربية الإسلامية الموجودة بالمئات في أنحاء متفرقة في العالم ولا تجد من يحاول استعادتها أو يوثق لأبعادها وحقولها المختلفة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق