الاثنين، 21 أبريل 2014

الإدارة الدينية بآسيا الوسطى تاريخ لا ينسى



تحت عنوان "بعد 70 عاماً من الإنجازات .. الإدارة الدينية بآسيا الوسطى تاريخ لا ينسى" نشرت الصفحة الإلكترونية آسيا الوسطى من القاهرة يوم 16/4/2014 مقالة كتبتها: دينا العشري، صحفية وباحثة في الشؤون الآسيوية، نقلاً عن إسلام نيوز – روسيا، جاء فيها:
مرت الذكرى السبعون لإنشاء الإدارة الدينية لمنطقة آسيا الوسطى وقازاقستان كحدث عابر بالنسبة للكثيرين، لكن الأحداث التاريخية والشخصيات التي ساهمت في إنشائها تستحق من المسلمين أن يتعرفوا عليها وعلى الجهد الكبير الذي قامت به من أجل إنشاء صرح علمي وديني كهذا، بل ويترحموا على أولئك الأئمة الذين جاهدوا بطريقتهم في حقبة شيوعية صعبة، وضعت السلطة فيها يدها على كل ما هو ديني.
لقد كانت الحرب الوطنية ضد الفاشية كانت الشعلة التى أوقدها الشيخ العالم العامل "إيشان بابا خان"، داعيًا مسلمي آسيا الوسطى إلى التعالي على جراحهم وعلى القمع وآلاف المساجد المغلقة والاضطهاد الذي لحق بغالبية المسلمين والعلماء على وجه الخصوص، فمنهم من عذب ومنهم من قضى نـحبه ومنهم من كان ينتظر، ولكن غالبيتهم لم يبدلوا دينهم، وتحينوا الفرص ليعود للإسلام مجده.
وفي أول جمعة من شهر يونيو/حزيران 1941م، خرج مسلمو مدن طشقند وسمرقند وبخارى وغيرها، من المدن إلى الساحات الرئيسة المجاورة للمساجد المغلقة من قبل النظام الشيوعي ورفعوا الأذان وصلوا صلاة الجمعة، وكانت الخطبة الرئيسة كانت في مدينة طشقند، وقد تحدث فيها الشيخ إيشان حول الهجمة الشرسة التي تعرضت لها البلاد من قبل القوات الألمانية الفاشية، والدعاء وكان لطلب النصرة على الأعداء، بل دعا المسلمون أن ينصر الله الزعيم السوفيتي ستالين على العدو الذي دمر البلاد وقتل العباد.
قد يكون الدعاء لستالين من الأمور التي ننظر إليها باندهاش واستنكار شديدين اليوم، لكن الحال في تلك الفترة كان غير الحال اليوم، إذ تناسى المسلمون حينها ما فعله ستالين من اضطهاد، وتذكروا أن الوحدة هي العنصر الحاسم لكسب معركة شرسة مع عدو لا يفرق بين مسلم وشيوعي، لكن ذلك الجيل من المسلمين لم ينس تقاليده الدينية، وطريقة الصلاة وهو الذي تربى لفترة طويلة تحت حكم الإلحاد، فصلى الناس ولم يعبأوا بما يمكن أن ينتظرهم من قبل قوات الأمن الداخلي (ألانكا في دي)، فالصلاة ممنوعة والاجتماع كان بدون ترخيص والشرطة السرية كانت دومًا بالمرصاد.
ومع ذلك تذكر التقارير السرية التي رفع الغطاء عنها في أرشيف ألانكا في دي، أنهم كانوا "مندهشين جدًا من الحركة الإيجابية التي عُبِّر فيها عن الولاء للسلطة السوفيتية التي بدأت الحرب ضد القوات الفاشية في عام 1942م، ولأول مرة منذ عام 1926م عقد اجتماع للإدارة الدينية الرئيسة في مدينة أوفا بجمهورية بشكيرستان، والتي طالب بيانها المسلمين "بعدم ادخار أي جهد لمحاربة القوات الغازية على كل أرض تطؤها أقدامها من أجل تحرير الوطن الكبير، والإنسانية والعالم أجمع من الشر الفاشي" كما جاء في البيان.
وبعد انتصار دور الحلفاء على دول المحور في الحرب العالمية الثانية ظهرت فرصة ذهبية لتطوير العلاقات بين المؤسسات الدينية الإسلامية والسلطة السوفيتية، وتحرك أحد الأئمة في آسيا الوسطى كلها آنذاك الشيخ إيشان باباخان ليستغل الفرصة ويجمع الأئمة في مؤتمر جامع، وأنشأ لذلك لجنة خاصة لوضع قائمة بالمدعويين والتحرك في كل من قرغيزستان وقازاقستان وأوزبكستان وطاجكستان وتركمنستان، كما قرر الاستعانة بإمكانات الإدارة الدينية المركزية في مدينة أوفا التي كان يرأسها الشيخ عبد الرحمن رسول، وكذلك بإمام المسجد الجامع في موسكو الخطيب خليل الرحمن نصر الدينوف، وإمام مسجد "المرجاني" بمدينة قازان عاصمة تتارستان، وذلك للاستفادة من خبراتهم في الإعداد لمؤتمر حاشد مثل هذا.
كان عمل اللجنة مضنيًا، فلم يكن من السهل إقناع الأئمة وغيرهم من المدعوين، ذلك أن الكثير منهم لا يزال يذكر ما حصل مع أقربائهم ومعهم شخصيًا من واضطهاد، وقتل البعض من أفراد أسرهم من قبل أفراد المخابرات السرية ألانكا في دي، كل هذه المخاطر كانت حاضرة في ذهن صاحب الفكرة الشيخ إيشان باباخان، الذي استشعر نوعًا من الحرية في التحرك بعد الانتصار في الحرب فطالب مسلمي آسيا الوسطى وقازاقستان بالتوحد في مؤسسة دينية مركزية جامعة.
من جهة أخرى تحرك الشيخ مع مجموعة من الشيوخ من خلال سكرتير المجلس السوفيتي الأعلى في جمهورية أوزبكستان لبدء حوار مع السلطات السوفيتية في موسكو للحصول على الموافقة على تنظيم المؤتمر وإنشاء إدارة دينية مركزية لمنطقة آسيا الوسطى وقازاقستان، وبالفعل حصل الشيخ إيشان على الموافقة، بل ردت إليه السلطات السوفيتية بيته الذي سلب منه عام 1928م، بسبب اعتراضه على السياسة السوفيتية ضد الدين الإسلامي وإغلاق المساجد، اجتمع المؤتمر في الفترة ما بين 15 و20 أكتوبر/تشرين أول في بيت الشيخ إيشان، حيث حضر 160 ممثلاً من دول آسيا الوسطى المختلفة، واتخذوا قرارًا بإنشاء الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاقستان، وانتخب بالإجماع الشيخ إيشان باباخان رئيسًا لها، وكان عمره وقتها 85 سنة، كما انتخب نائبًا له الشيخ مراد خوجا صالحي، وضياء الدين خان ابن الشيخ إيشان سكرتيرًا، كما اتخذ قرار بإنشاء فروع للإداراة في كل الجمهوريات، حيث ترأس الشيخ ضياء الدين خان إيشان إدارة أوزبكستان، والشيخ عبد الغفار شمس الدين قازاقستان، والشيخ صالح باباكلان طاجكستان، والشيخ عليم خان شاكر قرغيزستان والشيخ أنّا إيشان تركمنستان.
وهكذا وبفضل العمل الدؤوب لهذه المجموعة من العلماء تم فتح أكثر من مئتي مسجد، وتحديد أعضاء مجلس العلماء للفتوى والمجلس المشرف على المساجد، كما تم إنشاء مدرسة "مير عرب" (بخارى) عام 1946م والجامعة الإسلامية العليا للتربية والأخلاق (طشقند) عام 1971م، وكان القرآن والسنة المصدرين الأساسيين اللذين اعتمدتهما الإدارة الدينية لحل قضاياها وقضايا المسلمين، وحدد في القانون الداخلي للإدارة واجبات الإمام تجاه المسلمين، حيث طولب الأئمة بالقيام بالدعوة داخل المجتمع المسلم، وهو أمر اعتبر مواجهة صارخة للسلطة التي لا تعترف بالدين ولا تسمح بالدعوة إليه، كما طالب الشيخ إيشان الأئمة بالقيام بواجباتهم في التربية الروحية ونشر الأخلاق الإسلامية والمساهمة في إنشاء جيل يتربي على الصدق والأمانة وحب الوطن والابتعاد عن العادات السيئة، ولم يكتف الشيخ إيشان بذلك بل وهب بيته ليكون مركزًا للإدارة الدينية المركزية، ووهب مكتبته التي كانت تضم أكثر من ألف كتاب ومخطوطة فريدة قضى في جمعها عشرات السنين.
وهكذا بفضل حركة غير عادية وعقلية فريدة وإصرار على أن يكون للإسلام دوره في جمهوريات ارتبط تاريخها بالإسلام، أصبحت الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاقستان بقيادة الشيخ إيشان جزءًا من السياسة السوفيتية من أجل توحيد الشعوب السوفيتية تحت راية واحدة لدحر الأعداء من أرض الوطن، واستطاع الشيخ وإدارته الدينية أن يلعبا دورًا مهمًا لمدة 15 سنة هى مدة رئاسته وقبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى عام 1957م، فقد بقيت آثاره إلى اليوم بالرغم من أن تلك الإدارة الدينية قد انفرط عقدها بانهيار الاتحاد السوفيتي وظهرت بين تلك الجمهوريات حدود جغرافية جديدة وهذه لم يكن يتصوره ظهور الشيخ الفاضل ورفاقه من العلماء المجاهدين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق